نهج أمة: عقيدة لا تُنزع
إب نيوز ٢٥ مارس
منذ سنوات، يتكرر الحديث عن ضرورة تسليم سلاح المقاومة، وكأن المسألة تُختزل في ترسانة عسكرية يمكن تفكيكها بقرار سياسي أو تفاهم دولي. غير أن هذه الطروحات تتجاهل حقيقة أعمق: المقاومة ليست مجرد سلاح يُسلم، بل هي عقيدة متجذرة، وإرادة لا تُكسر.
قد تمتلك دولة جيشًا جرّارًا وأسلحة متطورة، لكن من دون إيمان بالمبدأ وروح التضحية، يبقى هذا الجيش جسدًا بلا روح. فالتاريخ يشهد على جيوش انهارت أمام قوى أقل عددًا وعدة، لكنها انتصرت لأنها امتلكت الإرادة واليقين بعدالة قضيتها.
ليست المقاومة فكرة عابرة أو حركة عسكرية نشأت كردّ فعل على ظرفٍ طارئ، بل هي امتداد لمدرسة حسينية أرسى الإمام الحسين (عليه السلام) أسسها عندما وقف بين السيف والذلّة، فاختار الشهادة على الخضوع، وأرسى معادلة خالدة: الحق يُقاوَم، والباطل يُواجَه، والكرامة لا تُشترى ولا تُستجدى.
منذ تلك اللحظة، باتت هذه العقيدة خطًا فاصلًا بين نهجين: نهج الخضوع والاستسلام، ونهج المقاومة والتحدي. وعلى مرّ العصور، حاول الطغاة اقتلاعها، فشُنّت الحروب، وسُفكت الدماء، وسُجن الأحرار، وأُحرقت المدن، لكنها بقيت، لأن جذورها ليست في السلاح وحده، بل في القلوب والعقول، في إيمان من حملوا الراية بأن التراجع خيانة لمسيرة بدأها الحسين بدمه.
إن قوة المقاومة لا تكمن في عتادها فقط، بل في رجالها الذين يحملون فكرها ويؤمنون بعدالتها. فكم من مقاوم واجه الموت مبتسمًا، لأنه أيقن أن قضيته أكبر من حياته، وكم من مجاهد حمل السلاح بروحٍ ترى في الشهادة نصرًا مؤجلًا لا هزيمة.
السلاح ليس مجرد قطعة معدنية، بل هو رمزٌ لعقيدةٍ نضالية بُنيت على الإيمان بوجوب الدفاع عن الأرض والعِرض. لم يكن السلاح وحده هو الذي حرّر الجنوب، بل الإرادة التي حملته، والعزيمة التي شحنته، والدماء التي روت طريق النصر.
من يظنون أن بإمكانهم نزع سلاح المقاومة بالضغوط السياسية أو الاقتصادية، يتجاهلون أن السلاح الحقيقي ليس في المستودعات، بل في العقول والقلوب. يمكن أن يكون المقاوم أعزل، لكنه يبقى مقاومًا لأنه يحمل فكرةً ومشروعًا وإيمانًا بأن طريق التحرير طويل، لكنه واضح.
لو كانت القوة تُقاس بعدد البنادق، لانتهت المقاومة مع كل حرب، لكنها في كل مرة تخرج أشدّ صلابةً وأقوى عزيمة. فهذه العقيدة ليست صناعة حديثة، بل هي الامتداد الطبيعي لصراع الحق والباطل. من أراد مواجهتها، عليه أن يواجه أولًا المبادئ التي صنعتها، وأن يحاول – عبثًا – انتزاع اليقين من قلوب أمة آمنت بأن الطريق إلى القدس مرسومٌ بتضحيات الشهداء وصبر الأحرار.
المعركة اليوم ليست معركة سلاح فحسب، بل معركة وعي وعقيدة. قد تسقط الأسلحة، لكن الفكرة لا تسقط. قد يرحل المقاوم، لكن الراية لا تسقط من يده إلا لتلتقطها يد أخرى. إن المقاومة، كمدرسة الحسين، وجعٌ دائم في جسد الطغيان، متجذرةٌ لا تُقتلع، ومهما حاولوا، ستبقى طريقها ممتدة، يشهد كل يوم ميلاد مقاوم جديد، ويُرفع كل يوم صوتٌ يردّد: هيهات منا الذلة!
ريما فارس